المتواجدون الآن




المقالات
تقنية النانو
مصداقية البحث العلمي ، مركز النانو أنموذجاً
مصداقية البحث العلمي ، مركز النانو أنموذجاً
12-17-2011 06:18 AM

ُ
image

وضعت مصداقية البحث العلمي في اثنتين من أعرق الجامعات السعودية على المحك في أعقاب تقرير نشرته مجلة العلوم ( سَاينس ) الأمريكية ، اتهم فيه كاتب التقرير الجامعتين «بشراء» التميز البحثي و الأكاديمي من خلال دفع مبالغ طائلة لكبار الباحثين العالميين من طبقات الحاصلين على جائزة نوبل أو طبقة كثيري الاستشهاد بأبحاثهم Highly Cited Researchers ، و كلاهما قلة نادرة من الباحثين على مستوى العالم ، على أن ينشروا جزءًا من أبحاثهم مرتبطاً باسم الجامعات المعنية دون دور حقيقي للجامعات السعودية في تلك الأبحاث بهدف الحصول على مراتب متقدمة في التصنيف الأكاديمي العالمي.
و الحقيقة أن الفاصل بين الخطأ و الصواب في هذه المسألة هو مقدار شعرة ، فقد دأبت كبريات جامعات العالم الأول على استثمار المبالغ الطائلة لاستقطاب مشاهير الباحثين العالميين بناءً على : ما يتوفر فيها من بنية تحتية مختبرية متميزة ، و بالتعاون مع الباحثين الجادين من أساتذتها و ألمع طلبة الدراسات العليا بها ، و ضمن إطار أهدافها الاستراتيجية في تسجيل براءات الاختراع ، و النشر العلمي في كبريات المجلات العالمية المرموقة ، لكن يظل الفيصل هو أن ذلك الاستقطاب المشروع إنما يجري بروح إحداث نقلة نوعية كبرى في شتى مجالات العلوم و التقنية و ليس بهدف الحصول على التصنيف الأكاديمي المتقدم و إن جاء ذلك كتحصيل حاصل ، و حسن الظن يدفعنا إلى إفتراض المثل في جامعاتنا السعودية.
ولا تخلو جامعاتنا من تجارب مشرقة تحاول ترك بصماتها في مسيرة «تراث» البحث العلمي في المملكة طوراً بمحاكاة ذلك النمط العالمي الراقي من التعاون ، و أطواراً أخرى بالاعتماد بعد الله تعالى على الذات ، و أزعم أن تجربة مركز النانو بجامعة الملك عبد العزيز تشكل انموذجاً يحتذي في المجال.
أنشئ المركز بموافقة ملكية سامية و هبة كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله لتأسيس نواة مختبرات المركز في ذي القعدة من عام 1427 هـ ، و قد تعددت الإجتهادات و الاستراتيجيات المقترحة على إدارة المركز حينها في كيفية الإستفادة المثلى من الهبة الملكية، الاستراتيجية الأولى يمكن تسميتها استراتيجية تحقيق «المكاسب السريعة» متمثلة في التعاون مع كبار الباحثين العالميين و النشر العلمي المشترك معهم. و كنت بصفتي مدير المركز قد رأيت في ذلك كمن يزرع في أرض الغير ، و رأيت أن نبدأ باستراتيجية ( و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) بتأسيس : البنية التحتية لمختبرات النانو بالجامعة ، و استقطاب فريق المِلاك من الباحثين المتميزين ، استقطاب الدعم المالي لإجراء الأبحاث و الحمد لله أن وافقتني الادارة العليا للجامعة مشكورةً على هذه الاستراتيجية ، و بالفعل تم استثمار كامل الهبة الملكية و زيادة في تأسيس مختبرات المركز بدعم مادي إضافي و معنوي من الجامعة ، و تم الإنجاز على هذه الأسس ثابتة الجذور في الأرض.
سبق القدر كل حذر ، فقد تعرضت الغالبية العظمى من تلك الأجهزة و المعدات المختبرية للتلف في سيول عام 1430 هـ ، و مع ذلك لم تتوقف الأبحاث العلمية بالمركز بالإفادة من البقية الباقية من أجهزة و معدات ، و من خلال ما توفر لاحقاً من أجهزة و معدات جديدة من خلال الأبحاث المدعومة من قبل مدينة الملك عبد العزيز للعلوم و التقنية و من قبل عمادة البحث العلمي بالجامعة ، بل لم يتوقف عطاء الله ثم عطاء حكومة خادم الحرمين الشريفين ممثلة في وزارة التعليم العالي التي خصصت مبلغاً تعويضياً كبيراً للجامعة ، كان نصيب مركز النانو منه زهاء الـ 100 مليون ريال ، 10ملايين منها لبناء المختبرات التي تعرف باسم الغرفة النقية بمستوى 1000 و مساحة قدرها 200 م2 ، و زهاء 90 مليونا لتأمين 45 منظومة من الأجهزة المختبرية على أعلى المستويات العالمية في مجال تركيب و تشخيص تقنيات النانو ، و هو ما يمكن إعتباره بمثابة استثمار في مستقبل الأجيال القادمة .
قامت إدارة المركز بالإضافة إلى تأمين أفضل الأجهزة و المعدات المختبرية بإستقطاب عدد من الخبرات العالمية في مجالات النانو بالتعاقد المباشر للعمل كباحثين متفرغين بالمركز على مدى السنوات الماضية ، إضافة إلى إستقطاب الباحثين السعوديين من داخل و خارج الجامعة ، و تكوين 10 فرق بحثية من داخل الجامعة يبلغ العدد الإجمالي لعضويتها ما يزيد عن 150 من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة ، بهدف نقل و توطين البحث العلمي و التقنية ، مؤخراً و من أجل الإستفادة المثلى من المختبرات الجديدة فقد وافقت إدارة الجامعة مشكورة على التعاقد مع عشرة باحثين و مساعدي باحثين جدد متفرغين للأبحاث بالمركز.
بالنسبة للنشر بالمركز ، و على الرغم من أن المركز على تواصل مع عدد من الباحثين العالميين حالياً من فئة كثيري الإستشهاد ببحوثهم من أجل التعاون معهم على الأسس المشار إليها ، فإن المركز يفخر أنه قد تمكن الباحثون فيه منذ تأسيسه عام 1427-1428 هـ بنشر ما يربو عن 50 ورقة علمية في أرقى المجلات العالمية ذات الوزن الكبير بالإعتماد على الذات دون أي مشاركة عالمية. هذا بالطبع عدا ما نشر من مداولات المؤتمر الدولي الذي عقد تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين في 2009 م ( 250 ورقة علمية عالمية ).
هذا غيض من فيض من مصداقية مركز النانو في البحث العلمي بالجامعة كمثال يحتذى ، و الجامعة بها العديد من الكليات و مراكز التميز البحثي التي لا تنقصها الرؤية الإستراتيجية و لا الغيرة الوطنية ، و لا تقل مصداقية و لا جدية و لا جهدا و لا تميزا عن مركز النانو. و ربما كان أحد الحلول الممكنة لتلافي مثل تلك الإتهامات لجامعاتنا التي لا تخلو من شئ من الغرضية هو تأسيس هيئة إعتمادية أكاديمية وطنية كما هو الحال في الولايات المتحدة ، و أوربا ، و اليابان و غيرها من دول العالم الضليعة في مجالات البحث العلمي و التطوير التقني.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 162


خدمات المحتوى


أ.د. سامي سعيد حبيب _صحيفة المدينة
تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

DESIGN BY IMP4D.COM