المتواجدون الآن




المقالات
تقنية النانو
النانوتكنولوجيا .... عالم آخر ينتظرنا
النانوتكنولوجيا .... عالم آخر ينتظرنا
10-10-2011 10:23 AM

الأشياء الصغيرة جميلة والأشياء الكبيرة عملية ... هذه جملة من وحي المشاهدة والتجربة لدى البشر. أما النانوتكنولوجيا فلها قول آخر، فالأشياء الصغيرة بالإضافة إلى بعدها الجمالي من الممكن لها أن تكون فعالة وعملية أكثر بكثير من الأشياء الكبيرة. الفكرة الأساسية للناتكنولوجيا تتلخص بتصنيع مواد متناهية الصغر- تمتلك أبعادا على مستوى أجزاء في المليون من المليمتر- ولكنها تتمتع بفاعلية هائلة في استخدامها وذلك نتيجة اكتساب تلك المواد لخواص جديدة كيميائيا، إلكترونيا وميكانيكيا. واستخدام هذه المواد بحكم الواقع والضرورة سيترك أثره على مختلف مناحي حياتنا في الدواء والغذاء واللباس والمساكن والسيارات والحواسيب وأدوات التجميل وحتى معاجين الأسنان. هنالك الكثير من الأمل الذي يبنيه العلماء على هذه التقنية الوليدة فمثلا يدور الحديث عن أن العديد من الأمراض التي تحصد أرواح الملايين من البشر سنويا ستصبح من الماضي، وأن متوسط حياة الإنسان في مستقبل غير بعيد ربما يطول عشرات السنوات أو أكثر عما هو عليه الآن بفضل الرعاية الصحية المتطورة.

من الأمور المثيرة كذلك التي يمكن ذكرها في هذا السياق هو دور مواد النانو في الصناعات الغذائية بشكل تؤثر فيه على المذاق إيجابيا وتزيد من عمر المنتج على الرف وتقلل كذلك من الأضرار التي تصاحب مثلا تناول طعام غني بالكولسترول. وأما عن الأقمشة والملابس فقد تمكن الباحثون من تصنيعها بحيث لا تبتل بفضل تحسين مقاومتها للماء عن طريق إضافة مواد خاصة بمقياس النانو. كذلك فقد أصبحت الأسواق في الدول المتقدمة تحتوي على معاجين تحمي الجلد من الأشعة فوق البنفسجية، وطلاء ودهانات لها قابلية التنظيف الذاتي، ومواد عازله يشكل الهواء أكثر من 98% من حجمها، ومواد معدني أصلب بعدة مرات من الفولاذ وأخف وزنا في ذات الوقت، وأغلفه بلاستيكيه قادرة على حماية نفسها من البكتيريا، وحتى كرات رياضيه بعمر أطول ومواصفات أفضل، وغيرها الكثير من البضائع التي بدأت تأخذ دورها في حياتنا العملية، كل ذلك بفضل الارتقاء بالمواصفات الذي توفره مواد النانو. النانوتكنولوجيا تبدو باختصار وعدا بحياة تختلف كثيرا عما خبرناه، ولكن الاحتياط العلمي يستوجب الاستدراك هنا للإشارة بأن بعضا مما يثار حاليا حول الموضوع من أدبيات لربما يكون ضربا من الخيال العلمي، فالأمر قد لا يخلو في بعده الشائع إعلاميا من ثرثرات ومبالغات حالمة. ولكن وبالرغم من ذلك فقد أضحى في حكم الثابت عمليا وجود المئات من السلع التي تحتوي مواد مصنعه بمقياس النانو، وهذا العدد في ازدياد مطرد ما دفع الخبراء لتقدير أن اقتصاد النانوتكنولوجيا سيصل إلى ترليونات الدولارات خلال سنوات قليلة قادمة، وسيصبح بالتالي محركا أساسيا للاقتصاد العالمي وأحد أهم الميزات التنافسية بين الدول الصناعية. وفي ما يلي عرض موجز بلغة مبسطه لبعض الإنجازات للنانوتكنولوجيا التي بدأت طلائعها تأخذ مكانها على أرض الواقع:

المواد: ضمن مواد كثيرة لا سبيل لحصرها تتمتع بمواصفات مبهره، تمكن العلماء من تصنيع مواد تفوق في قوتها الفولاذ بأضعاف المرات وتتمتع في ذات الوقت بأوزان أقل بكثير. وكمثال على ذلك هناك أنابيب النانو كربون التي يمكن استعمالها بمفردها أو إضافتها بكميات معينه إلى مواد مختلفة صلبه أو بلاستيكيه لتكسب تلك المواد مواصفات غير مألوفة. فهذه الأنابيب الدقيقة تعتبر أكثر المواد المعروفه قوة من الناحية الميكانيكية وتتمتع بمواصفات إلكترونيه وحرارية فريدة. ومن المنتظر أن يتم استخدامها في صناعات مختلفة كالأقمشة والإلكترونيات والإسمنت والعجلات والدروع وغيرها.

المجسات: بفضل النانوتكنولوجي تطور تصنيع المجسات بشكل كبير، وهذه المجسات لديها قدرات فائقة على تمييز أنواع معينه من الجزيئات الكيميائية من بين مليارات الجزيئات الأخرى. ومن المتوقع أن يشيع استخدام المجسات خلال السنوات القادمة في مجالات الصحة والبيئة والتطبيقات الأمنية. ومن المواد الواعدة في هذا المجال هنالك جسيمات البلاديوم وأنابيب النانو المصنوعة من التايتنيوم والخارصين والكربون وغيرها.

رقائق الكمبيوتر: من المنتظر أن تزخر الأسواق العالمية بأجيال جديدة من الحواسيب خفيفة الوزن عالية الفعالية بفضل التطور في تصنيع الرقائق التي تحتوي على مواد موصله متناهية الصغر كالنانو سيليكون وكادميوم وسلينيوم وغيرها. مثل هذه الحواسيب ستمنح المستهلك زيادة هائلة في قدرة التخزين والسرعة يرافقها صعوبة في الاختراق وتوسع كبير في مجالات الاستعمال.

الأقمشة والملابس: أصبح في متناول اليد، مخبريا على الأقل، تصنيع أقمشة لا تقبل البلل ويسهل تنظيفها دونما جهد يذكر حتى لو علق بها أعند البقع من الأوساخ بفضل القدرة على تصنيع ألياف دقيقه من القطن وغيره تحتوي على مواد طارده للماء. وبطبيعة الحال فإنه بقدر ما ستسر ربات المنازل لذلك بقدر ما سينحسر استخدام سوائل ومساحيق التنظيف بمواصفاتها الحالية.

التشخيص والعلاج الطبي: بدأ العلماء بتطوير أجهزه بحجم راحة اليد تسمى علميا مختبر-على-رقيقه يمكنها القيام بالعديد من الفحوص والتحاليل بسرعة كبيره وعلى درجة عالية من الدقة دون أن يبرح المريض أريكته. كذلك تم تصنيع جرعات وكبسولات دقيقه بإمكانها التعرف على الأنسجة العليلة وإيصال الجرعة الدوائية اللازمة للمكان العليل داخل الجسم حسب الحاجة ودونما تأثير على الخلايا والأنسجة المحيطة بالجزء المريض. وفي هذا المجال تتمتع دقائق الذهب بسمعة كبيره خصوصا لقدرتها على رصد وعلاج أمراض سرطانية. بالإضافة إلى ذلك فإن البعد الوقائي له من الطيب نصيب، حيث يتوقع أن يكون بالإمكان وضع خريطة ل DNAللوليد الجديد بشكل يظهر الأمراض المحتملة ويساعد بالتالي على اتخاذ خطوات وقائية تستبق الإصابة بها، ويعتقد العلماء أصحاب الصلة بأن هذا الأسلوب الوقائي سيزيد متوسط عمر الفرد بعشرات السنوات، بل هناك منهم من يذهب بعيدا بالاعتقاد بأن الإنسان سيتمكن في النهاية من هزيمة الأمراض وعوامل الهرم.

الطاقة والبيئة: سيكون بالإمكان-كما تظهر نتائج الأبحاث الأولية- تعميم استخدام وسائل الاستفادة من الطاقة الشمسية على المستويين الفردي والمجتمعي بفضل الخلايا الضوئية عالية الفعالية التي تحتوي على دقائق السيليكون وغيره من العناصر والمركبات. كذلك يتوقع أن تساهم النانوتكنولوجيا في التغلب على بعض الصعوبات الفنية والاقتصادية التي تواجه حاليا استخدام الهيدروجين كوقود والمطروح كأحد البدائل الهامة للبترول، وستزيد كذلك من مردودية مشتقات البترول المستعمل حاليا بفضل المحركات عالية الفعالية والمحفزات والمركبات المصنعة بوزن أخف. أما عن البيئة، فإن رصد التلوث والتعامل مع أسبابه سيصبح أسهل بكثير بفضل المجسات الدقيقة ووسائل الحوسبة المتطورة. وللماء حصة هامة في هذا المجال، فعلى سبيل المثال أصبحت مادة النانو حديد أحد أهم المواد الواعدة كمنظف للمياه السطحية والجوفية من مختلف أنواع الملوثات، وقد باشرت بعض الدول المتقدمة بالقيام بتطبيقات عمليه في هذا المجال.

وكسائر الثورات التقنية السابقة فإن الوجه الجميل والواعد للناتكنولوجيا لا يخلو من بواعث القلق. فالتغير في أدوات الإنتاج والسلع والأنماط الاستهلاكية سيترافق معه حتميا تغير في القيم وبالتالي المنظومات الثقافية التي تحكم سلوك البشر، وليس هناك ما يضمن أن يكون التغيير إيجابيا على مستوى العالم. ففي ذات الوقت الذي ستتمتع به الدول المصنعة برخاء اقتصادي واستخدام أمثل للموارد قد تصبح الدول المتخلفة عن الركب مرتعا لتسويق البضاعة الرخيصة سيئة المواصفات ومكبا لنفايات العالم المتقدم، هذا بالإضافة لكونها مرشحه لتجرب فيها أجيال جديدة من الأسلحة شديدة الفتك التي، مع الأسف، تفيد من النانوتكنولوجيا. هناك أيضا باعث أخر للقلق يتمثل في الخطر البيئي. فالمواد صغيرة الحجم هي بطبيعتها سهلة الانتشار من خلال الهواء والماء، وبالتالي يصبح يسيرا دخولها في الدورة الغذائية والبيولوجية. وقد أثبتت نتائج أوليه أجريت على الحيوانات أن مواد النانو يسهل لها أن تصل إلى داخل الجسم عن طريق قنوات التنفس وقنوات الغذاء وأحيانا عن طريق النفاذ من خلال الجلد. وهذا الأمر يتطلب بالتالي بلورة أنماط استعمال أمنه وجاهزة في معالجة ما قد ينشأ عن تلويثها للجسم. وهناك عالميا جهد علمي منصب في هذا الاتجاه يسعى إلى تعظيم الإيجابيات مع التقليل إلى الحد الأدنى من المخاطر، ولكن الأمر لا زال في بداياته ويتطلب ميزانيات كبيره وثقافة بيئية المحور تعنى بصداقة البيئة على الأقل كما تعنى بتحقيق أرباح سريعة عن طريق السبق في إنتاج مواد استهلاكية قد تكون غير مأمونة النتائج. وفي الختام الأمر بيد الإنسان، ولنأمل أن تكون النانوتكنولوجيا جسرا نحو مستقبل أفضل يحارب من خلاله الجهل والفقر والمرض ويعم السلام والرخاء في العالم.

المصدر وكالة معا الاخبارية

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1877


خدمات المحتوى


د. طلال شهوان - جامعة بيرزيت
تقييم
9.39/10 (15 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

DESIGN BY IMP4D.COM